أبي منصور الماتريدي
328
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ليس فيها بيان الحق منها ؛ وبيان المحق من غير المحق ؛ سوى أن فيها : هل يستوي ذا مع ذا ؟ لا يستوى على ما ذكر ، وهل يستوي الطيب والخبيث ؛ أو البصير والسميع [ أو ] « 1 » الأصم والأعمى ؛ أو الميت [ و ] « 2 » الحي ؛ أو الظلمات والنور ؟ وأمثاله ، هذا كله غير مستو . وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل : أنا الذي عليه هو الحق ؛ والباطل هو الذي عليه غيري ، وينفى كل عن نفسه العمى والصمم « 3 » ؛ وكونه في ظلمة ؛ ويدعي كونه في النور ؛ ونحوه . فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره ؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين ؛ وهو ما ذكر وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ . . . الآية [ العنكبوت : 43 ] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق ؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج يعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه ، وما يعقب من ثمرته ، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول ، واستخباثهم الباطل ؛ وما يعقبه « 4 » لأهله من الخبث والقبح والشرّ . وقال القتبي « 5 » : زَبَداً رابِياً أي : عاليا على الماء ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أي : حلي أو متاع آنية يعنى من فلزّ الأرض وجواهرها ؛ مثل الرصاص والحديد ؛ ونحوه ، والذهب والفضة ؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء . والجفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته ؛ يقال : أجفأت القدر بزبدها : إذا ألقت زبدها عنها . وقال أبو عوسجة : رابِياً : أي : مرتفعا فوق ظهر الماء ؛ وهو واحد ، ويقال : زبد الماء : إذا صار له زبد ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ هو من الحلي ؛ من الذهب والفضة ؛ مما يتحلى به ؛ فَيَذْهَبُ جُفاءً أي : باطلا لا ينتفع به ، وأما الجفاء : فهو إظهار التهاون بالإنسان ؛ وقلة الاكتراث له ؛ والاستخفاف به . وقال : الجفاء هو الغثاء ، ويقال : قد أجفأ « 6 » الوادي : إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء . قال أبو عوسجة : والغثاء - عندي - : ما حمله السيل ؛ من العيدان والبعر ؛ وما يشبه ذلك . وقال القتبي « 7 » : قوله : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [ الأعلى : 5 ] أي : يبسا . قال أبو عبيد « 8 » : الجفاء الجمود ، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء ، ثم
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : الصم . ( 4 ) في أ : يعقب . ( 5 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ص ( 227 ) . ( 6 ) في أ : انجفا . ( 7 ) ينظر : تفسير غرايب القرآن ( 524 ) . ( 8 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 329 ) .